في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتتنازع فيه الكلمات على المساحات الشاسعة من فضاءاتنا الرقمية، يطلّ الشعر الحديث كجزيرة هادئة في بحرٍ مضطرب، يستعيد عبرها الإنسان جوهر وجوده المفقود. ولعلّ الصمت، في هذا الزمان المزدحم، لم يعد مجرّد انقطاعٍ عن القول، بل صار لغةً أخرى، أكثر صدقًا وأعمق دلالة. من هنا تبدأ رحلتنا في هذا المقال: حين يكتب الصمت قصيدته.
الصمت كأفقٍ شعري: حين تتكلم المسافة بين الكلمات
منذ البدايات الأولى للشعر الإنساني، ظلّ الصمت جزءًا من النسيج الخفيّ للقول الشعري. لم يكن الشعراء الكبار مجرّد ناطقين بالحروف، بل كانوا مستمعين عظامًا لما وراءها. فالصمت هو المسافة التي تمنح الكلمة معناها، والظلّ الذي يجعل الضوء أكثر بهاءً.
في الشعر الحديث، لم يعد الصمت خلفية للنصّ، بل صار بنيةً فنية قائمة بذاتها. نازك الملائكة، والسيّاب، وأدونيس، ومحمود درويش، وعبد الوهاب البياتي — جميعهم جعلوا من الصمت مساحة للمعنى. ففي قصائدهم، لا تصرخ اللغة بقدر ما تهمس، ولا تُقال الفكرة بقدر ما تُستشفّ.
القصيدة التي تُقال بين السطور
حين نقرأ قصيدة مثل “مدن الغبار” لأدونيس، أو “جدارية” لمحمود درويش، ندرك أن الشعر لم يعد محاولة للقول، بل فنّ الصمت بين الكلمات. الكلمات هناك ليست غاية، بل وسيلة لعبور نحو المجهول، نحو المعنى الذي يختبئ في الفراغ.
الشعر الحديث: من البوح إلى التأمل
لم يعد الشاعر الحديث نبيًّا يعلن الحقيقة، بل صار متأمّلًا يحاورها. إنه لا يقول ما يراه فحسب، بل يترك المساحة لما لا يُقال. فالصمت هنا ليس هروبًا، بل شجاعة مواجهة. الشاعر الحديث يكتب وكأنه يهمس للعالم: "انصت إليّ، لا إلى كلماتي، بل إلى ما بينها."
الشاعر الحديث يُعيد تعريف العلاقة بين اللغة والمعنى. فبينما كان الشعر الكلاسيكي يحتفي بالوزن والقافية والبيان، صار الشعر الحديث يحتفي بالمسافة التي تفصل الكلمة عن ذاتها. وهنا تتجلّى عبقرية الشعراء الذين فهموا أن اللغة، مهما اتّسعت، تضيق عن حمل التجربة الإنسانية بكمالها.
حين يصبح المعنى ناقصًا عمدًا
في قصائد مثل “أنشودة المطر” للسيّاب، و“الكوليرا” لنازك الملائكة، و“لا شيء يعجبني” لدرويش، نلمح ذلك الوعي العميق بفكرة النقص الجميل. فالكمال لم يعد هدفًا شعريًا، بل غايةً مستحيلة. الشاعر الحديث يكتب ليترك ثغرة يدخل منها الضوء.
بين الموسيقى الداخلية وصوت الفراغ
أحد أبرز سمات الشعر الحديث هو تحرّره من الإيقاع الخارجي لصالح الإيقاع الداخلي — ذلك النبض الخفي الذي لا يُقاس بالعروض، بل يُحسّ بالوجدان. فالصمت هنا يصبح جزءًا من الإيقاع ذاته؛ هو الوقفة، التنهيدة، الانقطاع الذي يمنح النصّ نبضه الإنساني.
إنّ موسيقى الشعر الحديث ليست لحنًا يُسمع، بل صدىً يُستشعر. حين يكتب الشاعر بيتًا يقطعه الصمت، فإنه لا يتوقف، بل يترك المعنى يتنفس. وكأنّ القصيدة كائن حيّ، يحتاج إلى الصمت كما يحتاج إلى الهواء.
صوت الصمت في التجارب العربية والعالمية
نجد في تجربة الشاعر السوري أدونيس توظيفًا للصمت كأداة فلسفية. وفي شعر درويش، يتحوّل الصمت إلى تأمّل في الهوية والمصير. أما في الشعر الغربي، فقد عبّر ت. س. إليوت عن الفكرة نفسها في "الأرض الخراب"، حيث يصبح الصمت كيانًا يملأ الفراغ بين المعنى والعدم.
الصمت كفعل مقاومة: حين تُخفي القصيدة أكثر مما تُظهر
في الأزمنة المضطربة، حين تكثر الضوضاء ويُستباح القول، يصبح الصمت موقفًا أخلاقيًا وجماليًا في آن. فالشاعر الحديث لا يهرب بالصمت، بل يقاوم به. إنه يختار أن يقول ما لا يمكن قوله، وأن يصرخ همسًا.
بهذا المعنى، يمكن اعتبار الشعر الحديث نوعًا من المقاومة الهادئة ضد الاستهلاك اللفظي للعالم. إنه دعوة إلى التأمل، إلى الإصغاء لما فقدناه في زحمة الكلام. القصيدة هنا لا تشرح، بل تفتح باب الأسئلة.
الصمت.
لقد أدرك الشعراء أن الإيمان بالجمال لا يحتاج إلى إعلان، وأن الكلمة الصادقة لا تُصرخ، بل تُقال في همس. لذلك، فإن القصيدة الحديثة — في أعمق معانيها — ليست سوى محاولة لصياغة صلاةٍ من حروفٍ ناقصة وصمتٍ طويل.
الصمت كجمال ناقص
ليس الصمت نقيض القول، بل وجهه الآخر. كما أن الظلّ لا يعادي النور، بل يكشفه. في الشعر الحديث، يُصبح الصمت شرط الجمال، والفراغ هو الامتلاء الحقيقي.
خاتمة: حين يُعيد الصمت تعريف الشعر
الشعر الحديث ليس تمرّدًا على الشكل فحسب، بل هو ثورة في الجوهر. إنه محاولة لاستعادة تلك المسافة بين الذات والعالم، بين الصوت والسكوت. وحين يكتب الصمت قصيدته، فإن الشعر يصبح مرآةً لما لا يمكن أن يُقال بالكلمات.
إنه دعوة إلى الإصغاء، إلى قراءة ما وراء السطور، إلى اكتشاف أن أجمل ما في الشعر ليس ما يُقال، بل ما يُترك بلا قول. فالصمت في نهاية الأمر، هو اللغة الأمّ لكل القصائد.
إعداد مجلة النبراس الأدبية والثقافية — بإشراف محمد دويدي.
#مجلة_النبراس #أدب #ثقافة #شعر_حديث #تأملات #نازك_الملائكة #محمود_درويش #أدونيس #عبد_الوهاب_البياتي #الشعر_الحر #فكر_وأدب

Comments
Post a Comment