محمد حسين عبد الرحيم السماعنة
تعرف قريتي كلها صفات أسماء، أو كما يلقبونها المرأة الخارقة، وقريتي كلها تحفظ شيئا من نوادرها وأخبارها.
وهم يقولون دائما عند الحديث عنها: هي تستطيع فعل كل شيء، هي تصلح أعطال الأفران والثلاجات والغسالات، وتصنع الجبن والسمن واللبن، والسماد، وتقلم الأشجار، وتجني الثمار... وهي ماهرة في ركوب الخيل، وفي السباحة...
ويقولون إنها تسبح كالأسماك، وترقص كفراشة فرح، وتغني كعصفور طرب، وإنها ماهرة في كتابة القصص، ويقولون إن حضورها يرعب ويربك...
وهم يحبون الحديث عنها، ويتحدثون عنها بزهو وفخر؛ فهي وحدها من بين بنات قرى رام الله التي تستطيع فعل كل شيء.
وقالوا لي: حين اقتحمت الدبابات القرية من أبوابها كلها هي التي طلبت من الناس عدم مغادرة القرية مهما كان الثمن...
وقالوا لي: لم تضعفها السنوات الطويلة التي قضتها في السجن، ولا أيأستها عصا الجلاد، ولا هدت من عزيمتها، بل إنها خرجت من السجن أكثر صلابة وقوة ومهارة.
قال أحدهم بحماس: أمس قفزت في النهر كالسمكة، وأنقذت ابن علي الخباز، والبارحة رقصت في عرس سميرة ابنة النجار كما لم ترقص امرأة قط.
وقال أحدهم بزهو: أمس جاء وفد من قرية زوينة يطلب مشورتها في أمر الخنازير البرية التي ملأت القرى، ووضعت لهم خطة لقتلها والتخلص منها.
- وقبل يومين وضعت خطة لفتح طريق إلى حقول القرية العالية. قال أحدهم بحب.
- فلم جمعتكم الساعة في هذا المكان؟
- لا نعرف، لكنها لا تجمعنا إلا لأمر خطير!
غلّف الصمت الساحة المطلة على المضافة التي ازدحمت برجال القرية ونسائها وأطفالها، ولم يطل انتظارهم، فقد برزت أسماء بثوبها الفلسطيني المطرز، واعتلت المنصة بثقة وثبات، ثم نظرت بحب وعيون دامعة إلى أهل قريتها، وقالت بصوت قوي جهوري:
يا أهل قريتي، يا سندي وعزوتي، لقد علمت أن أذى أصاب قرية الياسمين، وقرية التفاح، وقرية نبالة، وإني ذاهبة إليها لعلي أستطيع المساعدة.
تفرق أهل القرية بظهور منحنية، وقلوب خائفة، وعيون باكية، تأكلهم الحيرة، ويمتص أنفاسهم الارتباك، ويخنق حروفهم القلق. وبينما هم على هذه الحال أبرقت السماء وأرعدت، وهزت قريتهم أصوات انفجارات قادمة من قرية الياسمين.
فركضوا إلى بيوتهم، وغلقوا الأبواب، ووضعوا أصابعهم في آذانهم، فلم يسمع أحد منهم طرقات أسماء على الأبواب، ولا نداءاتها ليفتحوا لها أبواب بيوتهم.
تعليقات
إرسال تعليق