ما هو أدب المناسبات؟
يُقصد بأدب المناسبات ذلك اللون الأدبي الذي يتخذ من الحدث التاريخي أو الاجتماعي أو الديني منطلقًا إبداعيًا، جامعًا بين التوثيق الفني والإمتاع الجمالي، وهو رافد أصيل في الشعر العربي عبر عصوره.
أدب المناسبات بين التوثيق والإمتاع:
ساد الاعتقاد لدى الكثيرين بأن أدب المناسبات وأَخُص الشعر منه بالذكر بأنه خِلْو من الجمالية من حيث معانيه وصوره وأثره في وجدان المتلقي،حتى كاد يُستبعد نهائيا من نطاق الأدب أو يُصنّف في خانة النظم الجاف كالشعر التعليمي مثلا. ولكن هذه الرؤية واهية إذا ما أمعنا النظر في المدوّنة الشعرية العربية حتى تأثر الكثير من أدبائنا بالتصور الحداثي الغربي للأدب الذي لا يَعتدّ بغير الذاتية والفردانية في تمظهراتها الرومانسية والسريالية والعدمية ونحو ذلك .
غير أن شعر المناسبات في تراثنا ثروة أدبية لا يُقدّر نفاستها إلا من غاص في مكنوناتها السياقية، من حيث كون المناسبة تأريخا عاما احتفل به المؤرخون أو حدثا خاصا له قيمته التاريخية في استجلاء بعض التفاصيل المفقودة والتي قد تكون هامة في قراءة التاريخ قراءة موضوعية في خبايا القصيدة مثلما تتوارى شذرات الذهب في منجم يتخذ حجم جبل.
ولا ينقص من قدر ذلك الشعر شيئا إن كان المدح هو الغرض الرئيس فيه، إذ المدح ديدن مُعظم الشعراء، إذا حفظ النص الشعري نسبة من التاريخ بقدر ما يسمح به المقام، ومازلنا نذكر الروائع المناسباتية في بلاغتها النافذة، وجماليتها الآخذة، من قبيل بائية أبي تمام في وصف موقعة عمورية التي مطلعها :
السيف أصدق أنباءً من الكتبِ... في حَدّه الحدُّ بين الجِدّ واللعبِ
ولا تقل قصيدته في صلب الأفشين سنة 226 هـ قيمة عن البائية لثرائها بالإحالات على الوقائع، وتوظيف المضمرات التاريخية والمعاني المستوحاة من القصص القرآني واستحضار مُركّز لأعلام اتخذ طابعا رمزيا ، وهجاء مقذع، ومدح في آخر القصيدة للخليفة المعتصم، وتنويه بأرومته، مع ما ينضاف إلى كل هذا من أدبية رائقة طبعتها براعته في التوسع في التشبيهات والمجازات ، والتشبع البديعي من خلال الطباق والتورية ومطلعها:
الحَقُّ أَبلَجُ وَالسُيوفُ عَوارِ...فَحَذارِ مِن أَسَدِ العَرينِ حَذارِ
ورائعة المتنبي في معركة الحدث حيث يتواشح المدح الأنيق، بالوصف الدقيق، والحكمة البالغة بالحجة الدامغة، وحسبنا ما يُلوّح به هذا المطلع من حكمة وتهيئة لتلقي ما يليه من أغراض :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
ومن هذا القبيل سينية درويش التي تحرك فيها تراجيديا المناسبة وهي مقتل الخليفة المتوكل وليّ نعمة الشاعر وممدوحه في فترة ناضرة من حياته على يد أجناده من الترك...
وفي القرن العشرين انقطع شاعر الثورة مُفدي زكريا بالكُلّية لتتبع المناسبات التي عاش أكثرها...
بقلم: حميد غانم
ساد الاعتقاد لدى الكثيرين بأن أدب المناسبات وأَخُص الشعر منه بالذكر بأنه خِلْو من الجمالية من حيث معانيه وصوره وأثره في وجدان المتلقي،حتى كاد يُستبعد نهائيا من نطاق الأدب أو يُصنّف في خانة النظم الجاف كالشعر التعليمي مثلا. ولكن هذه الرؤية واهية إذا ما أمعنا النظر في المدوّنة الشعرية العربية حتى تأثر الكثير من أدبائنا بالتصور الحداثي الغربي للأدب الذي لا يَعتدّ بغير الذاتية والفردانية في تمظهراتها الرومانسية والسريالية والعدمية ونحو ذلك .
غير أن شعر المناسبات في تراثنا ثروة أدبية لا يُقدّر نفاستها إلا من غاص في مكنوناتها السياقية، من حيث كون المناسبة تأريخا عاما احتفل به المؤرخون أو حدثا خاصا له قيمته التاريخية في استجلاء بعض التفاصيل المفقودة والتي قد تكون هامة في قراءة التاريخ قراءة موضوعية في خبايا القصيدة مثلما تتوارى شذرات الذهب في منجم يتخذ حجم جبل.
ولا ينقص من قدر ذلك الشعر شيئا إن كان المدح هو الغرض الرئيس فيه، إذ المدح ديدن مُعظم الشعراء، إذا حفظ النص الشعري نسبة من التاريخ بقدر ما يسمح به المقام، ومازلنا نذكر الروائع المناسباتية في بلاغتها النافذة، وجماليتها الآخذة، من قبيل بائية أبي تمام في وصف موقعة عمورية التي مطلعها :
السيف أصدق أنباءً من الكتبِ... في حَدّه الحدُّ بين الجِدّ واللعبِ
ولا تقل قصيدته في صلب الأفشين سنة 226 هـ قيمة عن البائية لثرائها بالإحالات على الوقائع، وتوظيف المضمرات التاريخية والمعاني المستوحاة من القصص القرآني واستحضار مُركّز لأعلام اتخذ طابعا رمزيا ، وهجاء مقذع، ومدح في آخر القصيدة للخليفة المعتصم، وتنويه بأرومته، مع ما ينضاف إلى كل هذا من أدبية رائقة طبعتها براعته في التوسع في التشبيهات والمجازات ، والتشبع البديعي من خلال الطباق والتورية ومطلعها:
الحَقُّ أَبلَجُ وَالسُيوفُ عَوارِ...فَحَذارِ مِن أَسَدِ العَرينِ حَذارِ
ورائعة المتنبي في معركة الحدث حيث يتواشح المدح الأنيق، بالوصف الدقيق، والحكمة البالغة بالحجة الدامغة، وحسبنا ما يُلوّح به هذا المطلع من حكمة وتهيئة لتلقي ما يليه من أغراض :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
ومن هذا القبيل سينية درويش التي تحرك فيها تراجيديا المناسبة وهي مقتل الخليفة المتوكل وليّ نعمة الشاعر وممدوحه في فترة ناضرة من حياته على يد أجناده من الترك...
وفي القرن العشرين انقطع شاعر الثورة مُفدي زكريا بالكُلّية لتتبع المناسبات التي عاش أكثرها...
بقلم: حميد غانم
إعداد مجلة النبراس الأدبية والثقافية — بإشراف محمد دويدي.
Comments
Post a Comment