الشيخ بنعبدالرحمان الديسي مادحا للشَّيخ شعيب الجليلي الشاذلي وبلاغةِ الجماعة الرُّوحية.

توطئة

في المتن الصوفي الجزائري، لا تُقرأ القصائد باعتبارها إنشاءً لغويًا عابرًا، بل بوصفها وثائق حيّة تحفظ الذاكرة الروحية والثقافية للأمة. ومن هذا الأفق تأتي هذه الدراسة الأنثروبولوجية التي يكتبها الأستاذ الدكتور حمام محمد، لتكشف عمق الرؤية العرفانية في مدائح الشيخ عبدالرحمان الديسي، وما تحمله من بناءٍ رمزي لوحدة الجماعة الرحمانية الشاذلية، في لغة تمتزج فيها البلاغة بالوجدان، والعلم بالصفاء الروحي.

الشيخ عبدالرحمان الديسي ومدائح الرحمانية الشاذلية في الجزائر
صورة توثيقية تعبّر عن الامتداد الروحي للمدائح الرحمانية الشاذلية في الجزائر وحضور الشيخ عبدالرحمان الديسي في الذاكرة الثقافية والصوفية.



المقالات الانتربولوجية : أ.د حمام محمد...جامعة الجلفة....الجزائر

يشتدُّ الشوقُ إلى حنينِ الأهلةِ والعلم، وتُذكَرُ هيبةُ العلماءِ الاجلاء، فلا يجدُ القاعدُ، ولا حتّى المثقّفُ، سبيلًا أمام ما يكتشفُ من علومٍ ومعالمَ لا يستطيعُ أن يفعلَ بها شيئًا سوى أن يُعيدَ تقليبَ الصفحات؛ لعلَّه يعثرُ على خبرٍ سارٍّ، أو لغزٍ هاجسٌ يُعيدُ المغيبَ إلى جادة الصواب، فيُعطي لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وخاصَّةً لمّا يتعلَّقُ الأمرُ بالبحثِ في شجرةِ الأصولِ الربّانية، ممَّن تعاقبَ على ثمرِها شموعٌ مضيئة.

لا يُذكَرُ إلَّا وردٌ في ليلةٍ دهماء، في الثلثِ الأخير، فيرنو الشاعرُ أو المريدُ إلى تلك السبوحات، فيجزلُ بها بعضَ الشيءِ من عبقِ الكرامات، قد نجدُ ضالَّتنا في ربطِ المناهجِ العلميَّة على أساسٍ صحيح، فنعيدُ بذلك إحياءَ المعلوم، ونجعلُها تدورُ في فلكِ الإحياء، نصنعُ دورةً توضيحيَّةً لما كان من بطولاتٍ ومشاقَّ في سبيلِ العلمِ الذي به جعلهم مولانا ورثةً للأنبياء.

طالع في النبراس: الشيخ العربي التبسي الشهيد الذي لا قبر له إعداد ا لأستاذ/ ربيعي محمد

تقصي الورد ليس علمَ خرافةٍ أو تخطيطٍ، وإنَّما علمٌ أمرُه حكيمٌ من لدن حكيم، أبرقَ وأعطى في الرزقِ الكثير، ومنه علومُ السرد، ومنها السجالُ المقفَّى، والشعرُ المنظوم، كالذي بين يديَّ.

تحصلتُ عليه من صفحةِ الإمامِ الهُمام ناصر دحمام، ساكن الزمالة، وعينُه في الأصلِ مقطعٌ سجَّل فيه آل شعيب بركةَ النزول إلى الوقتِ المعلوم، فله الشكرُ ما أبقى، حين أوزعني في لحظةٍ لا تُنسى مآثرَ الشيخِ العلَّامة عبدالرحمان الديسي، الذي حفظتُ أوارَه من خلال مطالعاتي الميدانيَّة لعلماءِ الجلفة والقاسمية الأشاوس، نفعنا اللهُ بعلمهم جميعًا.

يقول الشيخُ اللوذعي عبدالرحمان الديسي، قطبُ الديس، قبل أن تصلَ إلى المعاريف والشلال والرُّبوع، عليه رحمةُ الله، في هذه القصيدة التي خطابُها جمعيٌّ يتناولُ محبَّةَ الجماعة والبركةَ الصوفيَّة، وكأنَّه يحنُّ إلى وحدةٍ روحيَّةٍ من خلال مدحه لواحدٍ من سدنةِ العلمِ في تلمسان وضواحيها، العلَّامة الشيخ القاضي: شعيب الجليلي الشاذلي

شاقكَ ربعُ العامريَّةِ بالبـانِ..أمِ البارقُ الخفَّاقُ من نحوِ ودَّانِ
أمِ الحلَّةُ الفيحاءُ شرقيَّ حاجر...مرابعُ أُنسٍ، بل مراتعُ غزلانِ
مغاني غوانٍ من عريبٍ أعزَّةٍ...كرامِ السجايا، هِيرِ قَسٍّ وقحطانِ
يهشُّون للأضيافِ والفتكُ بالعِدا...كفاةٌ حماةٌ لا يُضامُ لهم عانِ
عقائلُهم تُصبي، وأبطالُهم سَبْتٌ...وفي حيِّهم قتلى عيونٍ ومُرَّانِ
لقد ظعنوا بالقلبِ لمَّا تحمَّلوا...وقد خيَّموا بالسفحِ من كرخِ بغدانِ
سقى اللهُ ذاك الربعَ ربعًا نحبُّه...وجادَ رباهُ كلُّ أسحمَ هتَّانِ
فدعْ زيَّ ظنٍّ ذكرى عذيبٍ وبارق...فإنَّ بياضَ الشيبِ نادى بسلوانِ
بلى إنَّ شوقي للإمامِ أخي العُلا...شعيبِ بنِ عبداللهِ قاضي تلمسانِ
همامٌ سرى ماجدٌ وابنُ ماجدٍ...يُعنعنُ إن شاءَ المزايا لعدنانِ
فما منهمُ إلَّا كميٌّ وعالمٌ....وناشرُ سرِّ القومِ من أهلِ العرفانِ
أئمَّةُ صدقٍ لا يُسامى فخارُهم...عليهم من الرَّحمانِ أكبرُ رضوانِ

البداية الانثروبولوجيَّة في القصيدة

بمدحِ الشيخِ الديسي شعيبا الجليلي الشاذلي، دفينِ تلمسان المحروسة، ليخرجَ لنا مآثرَ لو تمعَّن الدارسُ سوادَها في الذريَّة والآلاء إلى يوم الدين، التي ثبَّتت وحدةَ الجماعةِ الرحمانيَّة الشاذليَّة، التي قامت على توظيفِ التآلفِ الدينيِّ والأخوَّةِ بين الناس.

بدأ الشاعرُ بالمقدِّمة الطلليَّة على طريقةِ القصيدةِ العربيَّة القديمة:

“شاقكَ ربعُ العامريَّةِ بالبـانِ...أمِ البارقُ الخفَّاقُ من نحوِ ودَّانِ”

وهي استهلالٌ طيبيٌّ للدخولِ إلى التشكُّلِ في روحِ الجماعة، وأبناءِ الحنينِ إلى صورةِ التجمُّعِ على المذهبِ والسنَّة، وبهذا يكونُ في هذه المقدِّمة الجليَّة قد بيَّن لنا دخولَه في وصفٍ قيميٍّ أخلاقيٍّ لروحِ أنسابٍ متقاطرةٍ من نسلِ الرحمانيَّة الشاذليَّة، بوصفِهم أمَّةَ أخلاقٍ دعمها الأصلُ، والتماسكُ بأخلاقِ الضيافة، والتدخُّلِ والحمايةِ لكلِّ مستغيثٍ مستجير.

“يهشُّون للأضيافِ والفتكُ بالعِدا..كفاةٌ حماةٌ لا يُضامُ لهم عانِ”

وتلك الصفاتُ عُرفت بها، كما ذكرنا، أعراشٌ متسلسلةٌ عن القطبِ الهمذانيِّ سيدي أبي مدين شعيب، خريجِ الزوايا العصماء، ومؤسِّسِ الأذكارِ الطويلة، والدخولِ في عمقِ السياحةِ الصوفيَّة البديعةِ الانطلاقةِ والخارقةِ في الإحساس.

“فما منهمُ إلَّا كميٌّ وعالمٌ.. وناشرُ سرِّ القومِ من أهلِ العرفانِ”

فحريٌّ أن نوقدَ الذاكرةَ لقوله حين يعقِّبُ في مدحِ المتنزِّلين في الآل من أقوامٍ وعروشٍ اتَّصفوا بصفاتِ الأصالةِ والتوحيد، ورأبِ الصدعِ مهما كان جودًا لأهلِ الصفاءِ والعرفانيَّة.

“أئمَّةُ صدقٍ لا يُسامى فخارُه...عليهم من الرَّحمانِ أكبرُ رضوانِ”

هنا وضعه في مصفِّ العلماء، أي العالمينَ بأسرارِ مقاماتِ التعبيد، وهي مفرداتٌ تبني الوعيَ الاجتماعيَّ بين المتحابِّين في الله، كسلوكاتٍ في الحضرةِ السنيَّة، أو ترديداتٍ جماعيَّةٍ للذكر.

ما ميَّز القصيدةَ أسلوبيًّا الطابعُ المشتركُ للغةِ التبجيلِ للهِ ذي المعارج، مثل قولهم: “بحرُ المعارف”، وهي صورةٌ من القداسةِ الدينيَّة التي تسعى إلى تقديسِ ما ينطقون، وليس تقديسَ الأشخاص.

لدينا في مجلة النبراس مقال: الشخصية الدينية في روايات الطاهر وطار: لمحمد الهادي الحسني


“همامٌ سرى ماجدٌ وابنُ ماجدٍ”

ومن مميِّزاتِ هذا الوجد حضورُ المصطلحِ الصوفيِّ خرقًا ولا برقًا، بقدرِ ما نقولُ عنه تداعيًّا روحيًّا مؤسَّسًا على عشقِ النبيِّ ﷺ، ممَّا أكسبَ قصيدةَ الديسي في مدحِ الجليلِ الشعيبيِّ وعلمه قبولًا جمعيًّا في الحضراتِ الرحمانيَّة ولقاءاتها.

أسلوبيًّا يجبُ قراءتُها لكي لا نفصلَ الملكةَ الأدبيَّة عن سياقِ القصيدة، وما برعَ فيه الشاعرُ هو تأثُّره بالقصيدةِ العربيَّة القديمة التي يستحضَّرُ في جوفِها المدُّ بالدعاء.

“كريمٌ حليمٌ ناظمٌ ناثرٌ له”

وهو إيقاعٌ مقوٍّ للحفظ، دون أن نُغيبَ التكرارَ من القصيدة، فقد ورد ذكرُه كثيرًا، وتتكرَّر دلالات العلم والكرم وذلك لترسيخ صورة الشيخ في الوعي الجماعي.

أخيرًا، إنَّ ما شدَّني في هذه القصيدة هو رسالتُها في بناءِ أمَّةٍ، وليس فصيحًا فقط، ممَّا يؤكِّدُ ضلوعَ الأئمَّة السابقين في نشرِ الفضيلةِ للعالمين، أي توحيدِ الجماعة، وتحقيقِ التعاونِ تحت طائلة: ﴿وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾.

هكذا كان دأبُهم ودَيدنُهم؛ فقد صنعوا وحقَّقوا الانتماء، ورسَّخوا القيمَ النبيلة. رحم اللهُ الشيخَ الديسي، وأعلى مقامَه في رضوانه تعالى، فقد فاضَ في الوجد، ولم يترك للدمع أو الذوبان في صفاتِ نبيِّه الأعظم محمد ﷺ.مجال يضاعف

ولنا قراءاتٌ مماثلةٌ لأقطابٍ وبدلاءَ على طولِ الذكرِ لعلماءِ الرحمانيَّة، ومنهم عترةٌ كثيرةُ العدد من مشايخِ طاقين، أرضِ البسالةِ والذِّكر.


إعداد مجلة النبراس الأدبية والثقافية — بإشراف محمد دويدي.

تعليقات