📁 آخر الأخبار

الإتصال المبحوح قصة قصيرة بقلم خالد النهيدي


خالد النهيدي صاحب قصة الإتصال المبحوح
صورة الكاتب خالد النهيدي، صاحب قصة «الإتصال المبحوح».

كان في البيت، أو بالفيلا بمعنى أصح، التي يسكنها في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، عندما رن هاتفه الجوال، ورأى الاتصال المفاجئ الذي لم يتوقعه أبدًا بعد ما يقارب ثلاثين سنة من الغياب. أخذ يبتسم فاغرًا فاه، وهو يرى الرقم الغريب على شاشة الجوال، يسافر عبر الأثير من موطنه الحبيب ومسقط رأسه.

لم تتمكن الدهشة منه بعد حتى رد على المكالمة، لم يستطع مقاومة اللهفة والحنين في داخله، حتى رد على المكالمة وبسرعة البرق:

«ألوووووووووووووو، من معيييييي؟!»

صوته يقول للعالم كله اشتياق لريحة البن، وأجواء صنعاء الماطرة، والاجتماع الأهل والأحباب في ربوع سعيدة.

رد المتصل بسعاله المتقطع، وصوته المبحوح الذي يترجم كل معاني البؤس والحرمان:

«نعمان سالم».

«ياااااااة!!!! أيعقل؟ أمَعقول؟ أبعد هذا العمر الطويل!! ألا زلت تذكرني؟ ولكن من أين أتيت برقمي؟ وكيف حالك وأحوالك؟»

«أما عن الرقم، فقد شكلت فرقة بحث مكثفة، تأتي إلى رقمك، وسألت كل من يعرفني ويعرفك، بعد أن سئمت البحث في دهاليز الغياب، في أنت صديقي المهم، الأهم. أما عن حالي وأحوالي، فهو ما دفعني إلى الاتصال بك بعد هذا العمر الطويل.»

«تفضل، كلي آذان صاغية، يفداك ما فات من العمر وما هو آت.»

«يا صديقي، لقد تكالبت عليه هموم السنين، وصرت خلاصة الأحداث المريرة التي تراها على شاشة التلفاز من فقر وجوع ومرض، وسعالي المتقطع وصوتي المبحوح يشرح لك ما تبقى من تفاصيل لا أستطيع ذكرها، حفظًا لما تبقى من وقاري.»

تمتم الصديق الأمريكاني، رفيق الدرب وخليل العمر، وهو يتخيل معالم قريته الغارقة وسط أكوام الضباب، وأعواد السنابل تتراقص مع زخات المطر، وكأنها تعزف سيمفونية الوداع الأخير، القابع الآن بجوار زوجته الحسناء، فارعة الطول، ذات القوام الفرنسي الأنيق، في مدينته الثلجية وفي بيته الفاخر الجميل.

«لا إله إلا الله، محمد رسول الله... كل شيء سيكون أفضل بإذن الله. أقل الواجب، نحن عشرة عمر. فقط أعطني اسمك الكامل باللغة العربية والإنجليزية، وانتظر مني اتصالًا أو رسالة على الواتس.»

أنهى «نعمان سالم» المكالمة التي استدان قيمتها، بعد أن تمتم هو أيضًا ببعض عبارات الشكر والتقدير، وجمع أطفاله من حوله، وأخذ يحكي لهم حكايات الوفاء والعرفان بالجميل، والصديق وقت الضيق، والرجولة مواقف، حتى خارت قواهم واستسلموا للنوم، وهم يعدّون النجوم، على أمل أن يأتي السراب ويوقظهم يومًا ما، أو يفوقوا حتى على رسالة اعتذار.

إعداد مجلة النبراس الأدبية والثقافية — بإشراف محمد دويدي.

محمد دويدي
محمد دويدي
محمد دويدي — شاعر ومحرر ثقافي، مهتم بالشعر العربي والدراسات الأدبية وصناعة المحتوى الثقافي الرقمي.

زيارة مجلة النبراس | للأدب والثقافة والفكر
تعليقات