القائمة الرئيسية

الصفحات

النبراس مجلة أدبية ثقافية رقمية تُعنى بجماليات اللغة وعمق الفكر، وتفتح نافذة على عوالم الشعر والنقد والتحليل والسير الإبداعية. نسعى إلى تقديم محتوى رصين يجمع بين المتعة والمعرفة، ويخاطب القارئ العربي الباحث عن الكلمة الراقية والمعنى الأصيل، في صياغة عصرية تحترم الذائقة وتواكب التحولات الثقافية.
متخلف 

و أنا في طريقي بعد صلاة الصبح إلى المخبزة الوحيدة في البلدة، أتخاصم يوميا مع ذلك الفتى من أجل زجاجات الخمر، يريد أن يبيعها ، كما أنه لا يكتفي بأخذها ، و إنما يرتشف ما تبقى فيها ، و هو عادة كمية معتبرة ، ما يصبغ القداسة على مهمتي، لأني أريد أن أحطّمها ، لا أكتفي بمجرد تكسيرها ، بل أمارس عليها مهارة الرمي عن بعد و في ذهني رجم أصحابها الذين سهروا سكارى تحت ذلك الجبل ، و من الموافقات أن تألفت بيننا رابطة مهنية، بعدما طوّحت به الدنيا ، و هو يكبرني بسنوات ، حيث أصبح موظفا محترما ،الغريب أنني لم أتذكر فعلته هذه إلا أثناء الحادثة التي سأقصها عليكم ، فقد كان مسؤولا عليّ في إحدى الإدارات في ضاحية استأنس به أهلها حتى لزم السكن الوظيفي فيها لأعوام طويلة، أتذكر أنه أوصاني مرة أن أشتري له قميصا أبيض ، فاقترحت عليه :
ـ يليق بك الأزرق سيدي ، فالأبيض يظهر الأوساخ..
ــ هذا ما أريده بالضبط ؛ أن تظهر الأوساخ لأخلعه ، و أبدله بغيره ، لا أريد أن أنافق نفسي..
أعجبتني وجهة نظره ، و أشفقت عليه من عدد القمصان التي يجب أن يغيّرها في منطقة حارة مثل بلادنا ،حيث العرق فيها ضريبة مجانية و إجبارية . 
و من المواقف التي ما زلت إلى اليوم أحتفظ بها ، عندما قلت بعدما قدم معونة لأحد الفقراء :
ـ إن الله سيجازيك عن صنيعك ..
ـ كيف يجازيني الله عن أمر لم أقدمه له ؟
ـ لم أفهم ماذا تقصد ..
ــ أنا أفعل الخير من أجل الإنسانية ، لا من أجل أنهار العسل و الخمر الموعودة ، إنني أستطيع شراءها في هذه الحياة ، و الارتواء منها حتى القرف .
طبعا لم أشأ أن أجادله ، لا لأنه مسؤولي ، و لكن طبيعتي دائما أن أتحيّن أوقات الإقناع ،و أبتعد قدر الإمكان عن لحظات التحفز، إلا عند الضرورة ، تذكروا ـ أيها القراء ـ أنه لا يعرفني مثل ما تعرفونني ،لذلك أدخلني منزله ، و أطلعني على غرفة الوصفات الطبية المكتوبة كلها بالفرنسية ، شرح لي فوائد مجموعة من الأدوية و مضارها ، و هو يحتفظ بكل وصفة و لو تكررت ، حتى جمع منها مجلدات ، ثم دخلنا مكتبته التي كلها في الأدب الفرنسي ، و راح يقرأ على مسامعي عناوين الكتب و أسماء مؤلفيها ، بلهجة ليس فيها غرور ،و إنما كلها ثقة و رزانة ،ثم خرج بنتيجة :
ـ لو اهتم هؤلاء بالعبادة لما صنعوا هذه الأدوية ،و لما ألفوا هذه الكتب ، أنا مدين لهم كلهم في جسدي و في عقلي ..
ـ لكن لم أجد في مكتبتك كلها كاتبا ملحدا ، و هذا شيء إيجابي فيها ..
غيّر الموضوع مباشرة ، كأنه يريد أن يقول لي أن هذه المناورة أكبر منك ، ثم وجدت أنه قد أعدّ لي الغداء ، و قبل تناول أول لقمة ،قلت له :
ـ هل مسموح أن أبدأ بسم الله ، أم أني مجبر على عبارة باسم الإنسانية؟ 
ـ قل ما شئت بعدما تصنع الملعقة التي تأكل بها.. إنكم حقا متخلفون ..
قالها بنوع من المزاح و الطيبة يمحو عنها صبغتها كشتيمة ، أكلت أكل متخلّف ، ثم خضنا في شؤون عامة ..
ثم بدأ يظهر عليه شيء من التردد و القلق ، و الإقدام و الإحجام ، إلى أن استجمع أمره ،وبادرني :
ـ بقيت زاوية واحدة مقدسة في المنزل أريد أن أطلعك عليها ، و لك كامل الحرية إزاءها ، فإني أراك شخصا عاقلا مختلفا عنهم جميعا،تمتاز أكثر ما تمتاز بهدوئك و عقلانيتك ..
وافقته على ذلك ، و عندما دخلتها وجدت غرفة مخصصة لأنواع الخمور الفاخرة ؛موسوعة من الخيالات، الجو مذهل و منعش .. لم أتمالك نفسي ،اعذروني يا قرائي الكرام ، فالإنسان ضعيف أمام إغراء كهذا ، نعم لم أتمالك نفسي ،افتضحت أخيرا ،و لتقولي فيّ ما شئتم ..رحت أمارس هوايتي القديمة في قنص الزجاجات بكل ما وقع في يدي ، بتلك الملاعق التي لم أصنعها بصفتي متخلفا ، و بالصحون ، و بكل شيء..و هو يصرخ :
ـ توقف أيها المجنون المتخلف ، أنت أسوء منهم جميعا ، أسوء بكثير.. 
مازلت أتفنن في فنّي الفريد غير ملتفت إلى توسلاته و إلحاحه ، إلى أن ظهرت في وجهي ملامح ذلك الطفل الصغير القنّاص ، عندها فقط ، تذكر الموقف ، و عرفني ،فعرفته ، صاح :
ـ أنت هو ذلك الطفل المعتوه ، تذكرتك الآن ..ما زلت تحطم أحلامي و آمالي إلى يومنا هذا ..
حمل السكين ، فأسلمت رجلي إلى الريح ، مازال إلى اليوم يبحث عنّي ، لو يصل إليّ فإني لا أشك في أن أحدكم ـ أيها القراء ـ هو من دلّه عليّ.. ..


الشاعر: عبد القادر صيد

عبد القادر صيد مجلة النبراس الشاعر قلم

تعليقات

التنقل السريع