القائمة الرئيسية

الصفحات

النبراس مجلة أدبية ثقافية رقمية تُعنى بجماليات اللغة وعمق الفكر، وتفتح نافذة على عوالم الشعر والنقد والتحليل والسير الإبداعية. نسعى إلى تقديم محتوى رصين يجمع بين المتعة والمعرفة، ويخاطب القارئ العربي الباحث عن الكلمة الراقية والمعنى الأصيل، في صياغة عصرية تحترم الذائقة وتواكب التحولات الثقافية.

تحليل قصيدة الخيل والليل والبيداء تعرفني | قراءة نقدية شاملة في شعر المتنبي

تحليل قصيدة «الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني» للمتنبي: مدخل نقدي جديد

لا توجد قصيدة في الشعر العربي الكلاسيكي أُسيء فهمها بقدر ما أُسيء فهم قصيدة المتنبي التي مطلعها: «الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني». فهي تُدرَّس، وتُحفَظ، وتُستشهد، لكنها نادرًا ما تُفهم بوصفها نصًا مركزيًا في بناء مفهوم «الأنا» في الثقافة العربية. هذا التحليل لا ينطلق من السؤال المدرسي الساذج: ما غرض القصيدة؟ بل من سؤال أعمق وأخطر: ما الذي يفعله المتنبي بالذات العربية عبر هذه القصيدة؟

لماذا تُعد هذه القصيدة من أكثر النصوص طلبًا في البحث العربي؟

عند البحث عن «تحليل قصيدة الخيل والليل والبيداء تعرفني»، تظهر آلاف النتائج، لكن معظمها يدور في حلقة مفرغة:
  • فخر تقليدي
  • مدح سيف الدولة
  • صور بلاغية جميلة
غير أن هذا التناول السطحي يغفل سبب بقاء القصيدة حيّة حتى اليوم، وهو أنها لا تصف بطولةً عابرة، بل تؤسّس لنموذج إنساني وثقافي كامل، يرى فيه المتنبي نفسه معيارًا للقيمة. وهنا تبدأ خطورة النص… وقوته.

المتنبي في لحظة الذروة: السياق التاريخي والفكري

قيلت القصيدة في بلاط سيف الدولة الحمداني، في مرحلة كان المتنبي فيها في أوج حضوره الشعري والسياسي. لكن من الخطأ الجسيم قراءة النص بمنطق «الشاعر يمدح الأمير»، لأن ترتيب القيم في القصيدة يكشف العكس. المتنبي لا يبدأ بسيف الدولة، ولا يقدّم اسمه، ولا يصف كرمه أولًا، بل يبدأ بذاته:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
هذا البدء ليس تفصيلًا أسلوبيًا، بل موقفًا فكريًا واضحًا: الذات قبل السلطة.

تفكيك المطلع: لماذا قال «تعرفني» ولم يقل «أعرف»؟

هنا يقع معظم الشُرّاح في التبسيط. فهم يشرحون الألفاظ، لكنهم لا يسألون السؤال الحاسم: لماذا جعل المتنبي العالم هو الذي يعرفه؟ التحليل الدقيق يكشف ما يلي:
  • الفاعل في الجملة ليس الشاعر بل العالم
  • الخيل والليل والبيداء كيانات كبرى لا أفراد
  • الفعل «تعرفني» يحمل اعترافًا لا مجرد رؤية
بعبارة أخرى، المتنبي لا يثبت وجوده بالكلام، بل يجعل الوجود نفسه شاهدًا عليه.

الثنائية الكبرى في البيت: الحرب والكتابة

ينقسم البيت إلى شطرين متقابلين:
  • الخيل – الليل – البيداء
  • السيف – الرمح – القرطاس – القلم
وهذا التقسيم ليس اعتباطيًا. إنه يبني صورة الإنسان الكامل كما يراه المتنبي:
  • محارب لا يهاب
  • كاتب لا يجهل
  • فارس بالسيف
  • مقاتل باللغة
وهنا يختلف المتنبي عن غيره من شعراء الفخر؛ فهو لا يفصل القوة عن المعرفة، بل يدمجهما في ذات واحدة.

الصورة الشعرية: لماذا تبدو الألفاظ «صلبة»؟

لا نجد في المطلع:
  • ألفاظ حنين
  • استعارات عاطفية
  • صور طبيعية رومانسية
بل نجد أسماء حادّة، ثقيلة، ذات وقع صوتي قوي. وهذا مقصود؛ لأن القصيدة لا تريد أن تُشعِر القارئ، بل أن تفرض نفسها عليه. الإيقاع هنا يعمل بوصفه سلطة، لا زينة.
تصوير فني رمزي لفارس عربي يحمل السيف والقلم في آن واحد، تجسيدًا لصورة المتنبي عن الذات القوية العالمة
صورة رمزية تجسّد فكرة المتنبي عن الإنسان الذي يجمع بين السيف والقلم، حيث تتحول اللغة إلى سلاح موازٍ للقوة المادية.

الفخر عند المتنبي: نرجسية أم مشروع فكري؟

من أكثر الأحكام ظلمًا للمتنبي اختزاله في شاعر متعالٍ. فالفخر هنا ليس تعويضًا نفسيًا، بل إعلان مشروع. المتنبي لا يقول: «أنا أفضل منكم»، بل يقول ضمنًا: «هكذا يجب أن يكون الإنسان الذي يقود». وهذا ما يفسّر لماذا استُخدم شعره تاريخيًا في:
  • الخطاب السياسي
  • الهوية القومية
  • الخطابات النهضوية

تمهيد لما سيأتي: من الأنا إلى السلطة

ما فعلناه في هذا الجزء هو:
  • تفكيك المطلع
  • كشف بنية الذات
  • إعادة قراءة الفخر بوصفه رؤية
لكن القصيدة لا تقف هنا. في الأبيات التالية، يبدأ الصدام الحقيقي بين:
  • الشاعر والسلطة
  • الذات والممدوح
  • اللغة والقوة السياسية

من الفخر إلى الصراع: حين يتحول المدح إلى اختبار سلطة

بعد أن يرسّخ المتنبي ذاته في مطلع القصيدة بوصفها كيانًا معترفًا به من الخيل والليل والبيداء، لا ينتقل مباشرة إلى مدح سيف الدولة كما هو متوقّع في منطق القصيدة التقليدية، بل يؤجّل الأمير، ويُبقي «الأنا» في الواجهة. هذا التأجيل ليس خللًا بنيويًا، بل تكتيكًا شعريًا واعيًا: المتنبي يريد أن يحدّد موقعه أولًا، قبل أن يحدّد موقع الآخر.

المديح في الشعر العربي: تقليد أم سلطة تفاوض؟

لفهم خطورة ما يفعله المتنبي، لا بد من التذكير بأن قصيدة المدح في التراث العربي كانت تقوم على:
  • خفض صوت الشاعر
  • تعظيم الممدوح
  • تقديم العطاء بوصفه منّة
غير أن المتنبي يقلب هذه المعادلة. هو لا يتقدّم بوصفه طالب عطية، بل بوصفه صاحب قيمة قائمة بذاتها. وهنا بالضبط يبدأ التوتر.

الأنا الشاعرة في مواجهة الأمير

حين يبدأ المتنبي بذكر سيف الدولة، لا يقدّمه بوصفه مصدر المجد، بل بوصفه ميدانًا يتجلّى فيه هذا المجد. بعبارة أدق: المجد سابق على الأمير، والأمير أحد مظاهره. هذه النقطة تُغفل عمدًا في الشروح المدرسية لأنها تُربك الفكرة المريحة عن «شاعر يمدح أميره». الحقيقة أن المتنبي يقول ضمنيًا: أنا أختارك لأمدحك، لا العكس.

تحليل دقيق لبنية التفوق اللغوي

في الأبيات التي تلي المطلع، يعتمد المتنبي على:
  • جمل خبرية قطعية
  • غياب التوسّل أو الرجاء
  • لغة تقريرية لا استعطافية
هذا النمط اللغوي لا يُستخدم في الطلب، بل في الإعلان. الشاعر لا يفاوض، بل يفرض شروط حضوره. وهذا ما يجعل القصيدة تبدو اليوم «حديثة» رغم قِدمها.

المتنبي والسلطة: شراكة مستحيلة

القراءة الساذجة تفصل بين هذه القصيدة وبين ما انتهت إليه علاقة المتنبي بسيف الدولة. أما القراءة النقدية فترى في النص بذور الانفجار. لا يمكن لسلطة سياسية أن تحتمل شاعرًا:
  • يرى نفسه ندًّا
  • يملك لغة قادرة على منافسة السيف
  • يؤرّخ المجد بلسانه لا بمرسوم
ومن هنا نفهم لماذا تحوّل الإعجاب إلى نفور، والمدح إلى خصومة.

اللغة كسلاح: حين تصبح القصيدة أداة قوة

يخطئ من يظن أن السيف وحده هو أداة السلطة في هذه القصيدة. فاللغة نفسها تتحول إلى سلاح. المتنبي:
  • يسمّي
  • يحدّد
  • يُؤرّخ
وهذه وظائف سلطة بامتياز. من يملك اللغة، يملك الرواية… ومن يملك الرواية، يملك الذاكرة.
مخطوطة شعرية قديمة ترمز إلى سلطة اللغة في قصائد المتنبي وعلاقتها بالقوة والحكم
تجسيد رمزي لفكرة اللغة بوصفها سلطة، حيث لا تقل القصيدة أثرًا عن السيف في صناعة المجد والذاكرة.

لماذا يُساء فهم هذا المستوى من القصيدة؟

السبب ليس في النص، بل في طريقة تدريسه. فالتحليل المدرسي يركّز على:
  • المحسنات البديعية
  • شرح المفردات
  • الغرض الشعري
بينما يغفل:
  • العلاقة بين الشاعر والسلطة
  • البنية النفسية للأنا المتضخمة
  • وظيفة القصيدة في المجال العام
وبذلك يتحوّل النص من وثيقة ثقافية خطيرة إلى مجرد «قصيدة جميلة».

المتنبي والذات العربية: نموذج أم إشكال؟

هنا يجب طرح سؤال مزعج: هل قدّم المتنبي نموذجًا ملهمًا… أم أزمة مستمرة؟ الجواب ليس بسيطًا. فمن جهة، قدّم صورة الإنسان القادر على الجمع بين:
  • القوة
  • العقل
  • اللغة
ومن جهة أخرى، أسّس لنموذج ذات متعالية يصعب التعايش معها داخل أي سلطة. وهذا التوتر ما يزال حيًا في الثقافة العربية الحديثة.

القصيدة في الذاكرة المعاصرة

لا تُستدعى هذه القصيدة اليوم في سياق بريء. بل تُستدعى في:
  • الخطب السياسية
  • الكتابات القومية
  • خطاب القوة والهوية
لأنها توفّر لغة جاهزة للفخر، لكنها في الوقت نفسه تحمل خطر تضخيم الأنا الجماعية.

تمهيد للجزء الثالث: من المتنبي إلى القارئ

في هذا الجزء، كشفنا:
  • كيف يتحول المدح إلى صراع
  • كيف تصبح اللغة سلطة
  • لماذا فشلت الشراكة بين الشاعر والأمير
لكن السؤال الأهم لم يُطرح بعد: ما علاقتنا نحن، اليوم، بهذه القصيدة؟ هل نقرأها بوصفها تراثًا؟ أم مرآة؟ أم تحذيرًا؟

من النص إلى القارئ: لماذا لا تخص هذه القصيدة المتنبي وحده؟

بعد تفكيك بنية الأنا، وصراعها مع السلطة، نصل إلى المرحلة الأخطر في قراءة قصيدة «الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني»: مرحلة انتقال النص من سياقه التاريخي إلى وعينا المعاصر. فالقصيدة لا تعيش لأنها جميلة فقط، بل لأنها قابلة لإعادة الاستخدام الرمزي. وكل نص قابل لإعادة الاستخدام هو نص حيّ… لكنه أيضًا نص خطير.

القارئ شريك في إنتاج المعنى

الخطأ الشائع في تدريس هذه القصيدة هو التعامل معها بوصفها:
  • وثيقة ماضية
  • نصًا مغلقًا
  • منتجًا نهائيًا
بينما الحقيقة أن المتنبي كتب قصيدة مفتوحة على التأويل، لأن «الأنا» التي يبنيها ليست شخصية فقط، بل نموذجًا ذهنيًا يمكن لأي قارئ أن يُسقطه على نفسه أو جماعته. وهنا يتحول القارئ من متلقٍّ إلى مشارك في صناعة المعنى.

الأنا المتنبية: إلهام أم فخ ثقافي؟

لا يمكن التعامل مع المتنبي بوصفه قدوة مطلقة دون مساءلة. فالذات التي تُعلن تفوقها، وتفرض حضورها، وتستمد شرعيتها من الاعتراف الكوني، تحمل في طياتها وجهين:

الوجه الأول: الإلهام

  • الثقة بالذات
  • الربط بين القوة والمعرفة
  • رفض التبعية الفكرية
وهذا ما جعل المتنبي مصدر إلهام في:
  • النهضة العربية
  • خطاب التحرر
  • الأدب المقاوم

الوجه الثاني: الفخ

  • تضخيم الأنا
  • رفض النقد
  • تحويل التفوق إلى استعلاء
وهنا تصبح القصيدة سلاحًا ذا حدّين، تُستخدم لبناء الثقة… أو لتبرير الإقصاء.

القصيدة والهوية الجماعية

حين تُستدعى أبيات المتنبي في الخطاب العام، فهي نادرًا ما تُستدعى بوصفها شعرًا، بل بوصفها:
  • شعارًا
  • مرجعية رمزية
  • دليل قوة
وهذا الاستخدام الجماعي يعيد تشكيل القصيدة خارج نية الشاعر، لكنه يؤكد أمرًا جوهريًا: النص القوي يفلت من صاحبه. المتنبي كتب «أنا»، لكن الجماعة قرأتها: «نحن».

اللغة هنا ليست وصفًا بل أداءً

في النقد الحديث، يُفرّق بين اللغة التي تصف، واللغة التي تفعل. وقصيدة المتنبي تنتمي بوضوح إلى النوع الثاني. حين يقول:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
فهو لا يصف وضعًا، بل:
  • ينشئ هوية
  • يفرض اعترافًا
  • يؤدّي سلطة لغوية
وهذا ما يجعل البيت صالحًا للترديد في كل سياق يبحث عن إثبات الذات.
تجسيد فني رمزي لهوية عربية تقف في فضاء مفتوح، مستلهمة من بيت الخيل والليل والبيداء تعرفني
مشهد رمزي يعكس تحوّل القصيدة من نص شعري إلى علامة هوية، حيث تتداخل اللغة مع الوجود والذاكرة.

لماذا تستمر القصيدة في الهيمنة التعليمية؟

ليست هيمنة هذه القصيدة في المناهج العربية صدفة، بل نتيجة لعدة عوامل:
  • بساطة لغوية ظاهرة تخفي عمقًا فكريًا
  • قابلية التحليل على مستويات متعددة
  • قدرتها على اختبار وعي الطالب بالذات والسلطة
لكن الإشكال أن المناهج غالبًا ما تقتل هذا العمق عبر:
  • أسئلة نمطية
  • إجابات محفوظة
  • قراءة واحدة مفروضة
وبذلك يُختزل نص مفتوح في قالب مغلق.

كيف يجب أن تُدرَّس هذه القصيدة؟

التدريس الحقيقي لا يسأل:
  • ما الغرض؟
  • ما الصور؟
بل يسأل:
  • ما نوع الذات التي يقترحها النص؟
  • كيف تتعامل مع السلطة؟
  • هل تصلح هذه الرؤية لكل زمان؟
هنا يتحول النص من مادة امتحان إلى أداة تفكير.

المتنبي اليوم: شاعر الماضي أم مرآة الحاضر؟

كل قراءة جديدة للمتنبي هي قراءة لأنفسنا. فحين نُعجب بثقته، علينا أن نسأل:
  • هل نمتلك مشروعًا أم مجرد صوت عالٍ؟
  • هل نربط القوة بالمعرفة أم بالقوة وحدها؟
وهنا تتجاوز القصيدة زمنها، وتتحول إلى سؤال أخلاقي وثقافي مفتوح.

خلاصة الجزء الثالث: القصيدة كاختبار وعي

ما تكشفه «الخيل والليل والبيداء تعرفني» ليس فقط:
  • شاعرًا عظيمًا
بل:
  • ثقافة تمجّد القوة
  • لغة تصنع السلطة
  • قارئًا يبحث عن ذاته في النص
وهذا ما يجعل القصيدة حيّة… ومقلقة… وضرورية في آن واحد.

تمهيد للجزء الرابع والأخير

في الجزء القادم، سنصل إلى الذروة:
  • قراءة نقدية شاملة
  • تفكيك أخطاء الشروح المدرسية بندًا بندًا
  • خلاصة تعليمية وبحثية تجعل المقال مرجعًا نهائيًا

قراءة شاملة: ماذا تقول القصيدة حين نضع أجزائها معًا؟

بعد تفكيك بنية الأنا، وتحليل علاقتها بالسلطة، ثم تتبّع أثرها في وعي القارئ والذاكرة الجماعية، تتكشف قصيدة «الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني» بوصفها نصًا مركزيًا في الشعر العربي، لا لأنه جميل فحسب، بل لأنه يعيد تعريف موقع الشاعر، ووظيفة اللغة، وحدود القوة. هذه القصيدة لا تعمل على مستوى واحد، بل تتحرك في ثلاث دوائر متداخلة:
  • دائرة الذات: بناء الأنا بوصفها قيمة مكتفية بذاتها
  • دائرة السلطة: التفاوض الخفي مع الأمير والمؤسسة
  • دائرة المتلقي: قابلية النص للتحوّل إلى مرآة جماعية
وحين تتقاطع هذه الدوائر، يولد النص القادر على الاستمرار.

تفكيك أخطاء الشروح المدرسية الشائعة

لا تكمن مشكلة تدريس هذه القصيدة في نقص المعلومات، بل في طريقة تنظيمها. وفيما يلي أبرز الأخطاء التي تتكرر في الشروح التعليمية، مع تصويبها نقديًا:

الخطأ الأول: اختزال القصيدة في غرض الفخر

الفخر حاضر، نعم، لكنه ليس غاية نهائية. إنه أداة لبناء تصور معيّن عن الإنسان القادر على الجمع بين القوة والمعرفة.

الخطأ الثاني: التعامل مع المدح بوصفه تبعية

المدح في هذه القصيدة ليس خضوعًا، بل علاقة قوة غير متكافئة ظاهريًا، متوازنة رمزيًا.

الخطأ الثالث: التركيز على المحسنات دون البنية

البلاغة هنا ليست زينة لغوية، بل جزء من صناعة المعنى والسلطة.

الخطأ الرابع: تجاهل السياق النفسي والثقافي

المتنبي لا يكتب من فراغ؛ يكتب من موقع قلق وجودي وطموح سياسي وفكري، وهو ما ينعكس في كل بيت.

نموذج قراءة تعليمية متقدمة (للطلبة والباحثين)

بدل الأسئلة النمطية، يمكن اعتماد الأسئلة التالية:
  • كيف تُبنى الأنا في القصيدة لغويًا ودلاليًا؟
  • ما طبيعة العلاقة بين الشاعر والممدوح؟
  • كيف تتحول اللغة إلى أداة سلطة؟
  • هل تقدّم القصيدة نموذجًا إنسانيًا قابلًا للتعميم؟ ولماذا؟
هذه الأسئلة لا تختبر الحفظ، بل القدرة على التحليل والتركيب.

المتنبي بين الإعجاب والمساءلة

ليس المطلوب من القارئ أن يُعجب بالمتنبي إعجابًا أعمى، ولا أن يرفضه رفضًا أخلاقيًا. القراءة الناضجة تقع في منطقة وسطى:
  • تُقدّر عبقريته اللغوية
  • تُدرك خطورة تضخيم الأنا
  • تُميّز بين القوة بوصفها وعيًا، والقوة بوصفها استعلاء
وهنا تتحول القصيدة من نص تراثي إلى أداة تفكير نقدي.

لماذا تبقى هذه القصيدة حيّة؟

تبقى لأنها:
  • قابلة لإعادة القراءة في كل عصر
  • تلامس أسئلة الهوية والسلطة والاعتراف
  • تمنح القارئ لغة لتسمية ذاته
والنص الذي يمنح اللغة لا يموت.

خلاصة نهائية: القصيدة بوصفها وثيقة وعي

«الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني» ليست مجرد قصيدة فخر، بل وثيقة شعرية عن:
  • الذات حين تعي قيمتها
  • اللغة حين تتجاوز الوصف إلى الفعل
  • الشاعر حين يرفض أن يكون تابعًا
بهذه القراءة، تُستعاد القصيدة في عمقها الإنساني والثقافي، لا كأبيات محفوظة، بل كنصٍّ يُفكَّر به.

كلمة أخيرة للقارئ

إذا كانت القصيدة قد طرحت سؤال «من أنا؟» قبل قرون، فإنها اليوم تعيد طرحه بصيغة أخرى: كيف نكون دون أن نتحوّل إلى صورة عن أنفسنا؟

ملحق أسئلة تحليلية حول قصيدة «الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني»

أولًا: أسئلة الفهم العام (مستوى أساسي)

1. في أي سياق قيلت قصيدة «الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني»؟ 2. ما الموضوع الرئيس الذي تعالجه القصيدة؟ 3. ما دلالة الجمع بين أدوات الحرب (السيف والرمح) وأدوات الكتابة (القرطاس والقلم)؟ 4. ما الصورة التي يرسمها المتنبي لنفسه في مطلع القصيدة؟

ثانيًا: أسئلة التحليل الأدبي (مستوى متوسط)

5. حلّل دلالة الفعل «تعرفني» في البيت الأول، وبيّن أثره في بناء صورة الأنا. 6. كيف يختلف فخر المتنبي في هذه القصيدة عن الفخر التقليدي في الشعر العربي؟ 7. بيّن العلاقة بين اللغة والسلطة في القصيدة، مستشهدًا بأمثلة. 8. ما الخصائص الأسلوبية التي تمنح القصيدة نبرة القوة والصلابة؟ 9. كيف أسهم البحر الشعري في تعزيز الدلالة العامة للنص؟

ثالثًا: أسئلة نقدية معمّقة (مستوى ثانوي/جامعي)

10. ناقش مفهوم «الأنا» في القصيدة: هل هو تعبير فردي أم نموذج ثقافي عام؟ 11. هل يمكن اعتبار مدح سيف الدولة في القصيدة مدحًا تقليديًا؟ علّل رأيك. 12. كيف تتحول القصيدة من نص مدح إلى خطاب قوة رمزية؟ 13. ناقش فكرة اللغة بوصفها أداة سلطة في شعر المتنبي. 14. إلى أي حدّ يمكن اعتبار هذه القصيدة صالحة لقراءات معاصرة؟

رابعًا: أسئلة تركيبية (مستوى امتحاني متقدم)

15. انطلق من القصيدة لبيان رؤية المتنبي للإنسان الكامل. 16. قارن بين صورة الشاعر في هذه القصيدة وصورته في قصيدة أخرى للمتنبي. 17. هل ترى أن تضخيم الأنا عند المتنبي يُعدّ قوة فكرية أم إشكالًا ثقافيًا؟ ناقش. 18. حلّل أثر هذه القصيدة في تشكيل الخطاب الثقافي العربي الحديث.

خامسًا: أسئلة مفتوحة للتفكير النقدي

19. لماذا لا تزال أبيات هذه القصيدة تُستدعى في الخطاب السياسي والإعلامي؟ 20. كيف يمكن أن تتحول قصيدة فخر إلى مرآة جماعية لهوية أمة؟ 21. هل يُمكن قراءة هذه القصيدة بوصفها تحذيرًا من تضخم الأنا؟ ولماذا؟ 22. لو كُتبت هذه القصيدة اليوم، كيف سيكون تلقّيها؟

تنبيه تربوي مهم

لا تهدف هذه الأسئلة إلى اختبار الحفظ، بل إلى:
  • تنمية التفكير النقدي
  • تفكيك العلاقة بين الأدب والسلطة
  • تدريب الطالب على القراءة المركّبة للنصوص الشعرية
كيف تقرأ أنت هذه القصيدة: بوصفها فخرًا فرديًا أم خطابًا للهوية؟ شاركنا رأيك في التعليقات.
إعداد مجلة النبراس الأدبية والثقافية — بإشراف محمد دويدي
جانفي 2026

تعليقات

التنقل السريع