القائمة الرئيسية

الصفحات

النبراس مجلة أدبية ثقافية رقمية تُعنى بجماليات اللغة وعمق الفكر، وتفتح نافذة على عوالم الشعر والنقد والتحليل والسير الإبداعية. نسعى إلى تقديم محتوى رصين يجمع بين المتعة والمعرفة، ويخاطب القارئ العربي الباحث عن الكلمة الراقية والمعنى الأصيل، في صياغة عصرية تحترم الذائقة وتواكب التحولات الثقافية.
قصة قصيرة بقلم /محمد على عاشور

بمناسبة الإسراء والمعراج


رحمة ونور


استيقظ يا ولدى اليوم هو الموسم .
سمع الولد صاحب التسع سنوات الكلمة ، فهب من نومه مسرعاً ليذهب مع والدته إلى المقابر ، والموسم يعنى له ثلاثة أشياء ، فى الصباح المقابر ، وبعد الظهر حصان الحلوى الأحمر ، وفى المساء يأكل اللحم .
يتبع الولد والدته وقد ارتدى جلبابه الطويل الذى يستعمل حجره لوضع القرص المحشوة عجوة أحياناً ، والمحلاة بالسكر أحياناً أخرى، والتى تخبز فى كل الأحيان باللبن ، وبعض النساء يخرجن الكثير من الفاكهة لتوزيعها على المقابر .
تحمل والدته على رأسها سبتاً به جزء من القرص التى خبزتها لتخرجها رحمة ونور على والده .
ينطلق الولد خلف أمه وهو يعلم أن والدته تركت كثيراً مما صنعت لهم فى البيت ، فهى توزع القليل الذى تأخذه على أمل أن يعود الابن بالكثير مما تخبزه النساء اللاتى يغدقن على الصغير مما معهن وهى تقول لهن فى رفض المحتاج : راضوا الأطفال الآخرين ابنى ليس مهماً .
تقول هذه الكلمات وقد نظرت فى الأرض من ضيق الحال .
بعد أن تملأ النساء حجور الأطفال ، يضعن كل ما تبقى فى سبتها .
يظل الولد يجرى خلف أمه التى ما أن تصل إلى المقابر حتى يعلو صراخها الذى يشق الصدور ليذكر كل واحدة بميتها ، ومع ذلك يحطن بها لمواساتها ، ويربتن على كتفها ، أو تأخذها إحداهن فى صدرها لتوقفها عن الصراخ لتدخل فى نوبة من البكاء ، ولا تتركها النساء حتى تتوقف عن البكاء على زوجها الذى لم يمر على وافاته عام وقد ترك لها نصف دستة أطفال أكبرهم هذا الولد .
تتوقف المرأة عن الدموع وهى تمسح عينيها بكمها ، وعندها يتقدم الولد وأقرانه الجالسون بالقرب من النساء وقد رفعوا ذيول جلابيبهم ، فتظهر أقدامهم الدقيقة من تحت ملابسهم ، لتحمل أجسامهم الضعيفة.
يتلقف الأولاد ما يأخذونه فى حجورهم من فاكهة وقرص ، وأول حجر يمتلئ حجر الصغير ، ثم حجر الأولاد الآخرين ، ثم تسكب النساء ما تبقى معهن من الرحمة والنور فى سبتها ، وهى تقول وقد نظرت فى الأرض : والله أنا عندى كثير الحمد الله .. مستورة .
تغطى سبتها وتنهض واقفة ، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة رضا ، ثم تنظر إلى السماء ، وتنصرف .
يتبع الولد والدته ، وما أن يقترب من البيت حتى ينطلق ليسبق والدته ، فيوقظ إخوته ، ليريهم فطورهم 


 بقلم /محمد على عاشور

رحمة ونور...قصة قصيرة بقلم /محمد على عاشور نبراس الشاعر مجلة

تعليقات

التنقل السريع