القائمة الرئيسية

الصفحات

النبراس مجلة أدبية ثقافية رقمية تُعنى بجماليات اللغة وعمق الفكر، وتفتح نافذة على عوالم الشعر والنقد والتحليل والسير الإبداعية. نسعى إلى تقديم محتوى رصين يجمع بين المتعة والمعرفة، ويخاطب القارئ العربي الباحث عن الكلمة الراقية والمعنى الأصيل، في صياغة عصرية تحترم الذائقة وتواكب التحولات الثقافية.
فجر 

يا أولاد كم مرة قلت لكم أن هذا الطعام للغد ؟
ألا تفهمون ألا تعون ما أقوله لكم ، علينا توفير ما تبقى من طعام حتى خروجنا من هذا المكان ، اللهم أوقف هذه الحرب . أصمت هذه الحرب _تصيح باكية_ .
أنت يا شيماء أحتضني " فجر " الصغيرة وداعبيها لتسكت ، وأنت يا هدى أجمعي زجاجات الماء والطعام ، سنأخذ ما نستطيع حمله فقط .
جهاد ونصر لملما الأغراض ، سنغادر فورا عندما تهدأ القذائف قليلا .
(تحتضنهم) ، يا أولاد :
_ إسمعوني جيدا ، أريد أن تعاهدوني أن تبقوا معا ، لا تتخلوا عن بعض ، لا تفترقوا مهما حصل .
_لماذا تقولين هذا يا أمي (تقول شيماء باكية) ، هل ستتركينا مثل أبي .
_ لا يا حبيبتي . لن أفعل لن أترككم أبدا ، تضمها إلى صدرها .
لا يوجد في هذا الحي سوانا وعائلة أبو رمزي في العمارة المقابلة لقد هجر الجميع المكان . اتفقت معهم على الخروج من هنا معا ، في أول توقف لإطلاق النار .
تنظر لبيتها ، لأولادها ، لصورة زوجها الشهيد على. الحائط ، تركض باتجاهها تحتضنها وتضعها مع حاجات السفر .
المشهد مرعب أمامها ، عمارات مهدمة ، دخان ، رائحة بارود ،دوي انفجارات ، رعب شديد ، شكل بطولة المشهد العام . مدينة أشباح تسكنها وعائلة أبو رمزي فقط ، بين فصيلين متقاتلين .
يحل المساء . تصيح . يا أولاد إياكم وإشعال الشمع ، قد يرانا أحد القناصين ويفهم أننا هدف معاد .
تدعو ابنتيها شيماء وهدى على إنفراد :
_ اسمعاني جيدا ، يا قرتا عيني ، عندما نغادر سنمشي بين الفصائل المتقاتلة عدة كيلو مترات ، سنلتقي ببعض الميليشيات ، ابقيا نظركما للأسفل دوما ، لا حديث ولا ابتسام حتى ،سأبقي شعركما مبعثرا ، و ستلبسان ملابس قبيحة ، هل فهمتما .
_ لا يا أمي ، لم نفهم .
_ فقط افعلا ما أقوله لكما . لقد كبرتما الآن ، اقتربتما من الخامسة عشر . 
أيام مرت ، تأتي الإشارة من جارهم أبو رمزي ، غدا قبيل الشروق سنبدأ الرحلة ، تشير بيدها من بعيد لهم أنها فهمت ما يقولون .
تجهز كل شيء للرحيل ، الماء ، الطعام ، بعض الملابس البيسطة ، وعند بزوغ الشمس . تبدأ العائلتان الرحلة .
يا أولاد : عليكم السير بسرعة ، لا تلتفتوا للخلف ، لا تسمعوا كلام أحد ، امسكوا بأيدي بعضكم البعض . 
في أخر الحي تلمح بعضا من رجال الميليشيات ، ينظر أحدهم للفتيات ، يسقط قلبها رعبا ، يمشي بإتجاههم ، تسرع هي وأولادها مهرولة ، تهمس للفتيات إياكم والنظر للخلف . صوت من بعيد ينادي ، لرفاقه هيا جميعا إلى هنا . هناك خطب ما في تلك العمارة ..يرجع الجندى القهقري ، تسافر عيناه مرة للقائد و مرة للفتيات . يسيل لعابه ككلب مسعور .
يهدأ قلبها ، تحمد الله ، تصل أخيرا حيث ستقلهم ، سيارة صغيرة إلى الحدود . 
تسألان الأم : 
_لماذا كان يلاحقنا ذلك المسلح يا أمي ؟ . 
_إنها الحرب يا بنتي ، كل شيء فيها مباح ..
مباح كيف ( سألت أمها ) . يعني كل شيء هو ملك للمقاتل حتى يؤول الوطن لأحدهم ..
قد ترين جنديا يحمل علم الوطن بيده قنبلة ، وأخر يحمل شعار الوطن بيده خنجر ، وأخر ملتح يحمل راية خضراء ويبيع الحبوب المخدرة ليحصل على المال فيطهر الوطن ، وأخر يحمل شعار الحرية ويستعين بالغريب على أخيه ، وأخر ، وأخر ...هم كثر يا حبيبتي يتقاتلون من أجل الوطن ، يضحون بأنفسهم من أجله هكذا يعتقدون . لا تنظري لشعاراتهم ، إن قلوبهم قاسية كالحجر على الوطن ، وإن أنيابهم اشحذ من ناب الوحوش على طرائدها .سنترك لهم الوطن و سنعود حالما يتوقف القتل والدمار .
أخير تصل العائلتان إلى الحدود ..هناك عشرات الأسر سبقتهم .
يهرولون إلى الساتر الترابي . البهجة تملأ قلوبهم والابتسامة ترسم محياها على شفاههم . أخيرا : لا قلق ، لا رعب ، لا جوع ..أصوات أنفاسهم ولهاثهم تطرق كل ذرات الوطن مودعة . توقهم للأمان والحرية يفوق كل شيء .
في الجهة المقابلة ، يطلق الجنود طلقة تحذيرية ، يصبح الراحلون ، بصوت عالي: "نحن لاجئون ".
يطلب منهم الجندي الدخول واحدا ، واحدا ، رافعين ايديهم للأعلى خوفا من وجود أرهابيين ، تبدا الوجوه المبتهجة بالدخول سراعا ، ياتي دور ألام وأولادها ، اخيرا وصلنا "حمدا لله تصيح باكية ". تركض باتجاه شجرة عملاقة ، الوقت الآن ليلا تضع " فجر الصغيرة " وتترك معها شيماء ونصر ، ترجع مسرعة مع هدى وجهاد لحمل الأغراض من الساتر ، تعود لاهثة لابنتها .
ضوءءءءء عظيم فجر ظلام الليل ، رائحة بارود لوثت الفضاء ، قذيفة من الوطن ، تأتي من الخلف . غبار عظيم ، صوت نواح وصراخ . رائحة شواء. 
بعد أن انقشع الغبار . أيدي وأقدام مقطعة مرمية هنا وهناك ، جثث تفحمت ، جلبة جنود ...وصمت ..................
تحت شجرة السنديان سمع الجنود صوت مناغاة وضحكات طفلة ، هرع الحشد ..ريش هدهد تناثر فوق وجه" فجر" الصغيرة ، تداعبه وتضحك . رمت شيماء وجهاد نفسيهما على أختهما ، نحبا ...صرخا .
ضحكت "فجر" . وصمت العسكر .

عواد المخرازي
لا يتوفر نص بديل تلقائي.

تعليقات

التنقل السريع