حوار أدبي يكشف ملامح صوت سردي واعد في الجزائر
تتداخل الأصوات وتتشابك التجارب، فتبرز بعض الأقلام بهدوء، لكنها تحمل في داخلها مشروعًا أدبيًا حقيقيًا يتشكل بعيدًا عن الضجيج. من بين هذه الأصوات، تطل القاصة والروائية فضيلة ناجوي، القادمة من مدينة الجلفة، حاملةً معها تجربة إنسانية ولغوية تتقاطع فيها الطفولة، والذاكرة، والطبيعة، والقراءة المبكرة.
هذا الحوار الذي أجراه الكاتب الجزائري سعدي صباح، لا يكتفي بتقديم كاتبة ناشئة، بل يفتح نافذة على ملامح جيل جديد من المبدعين الذين يحاولون إعادة تشكيل علاقتهم مع السرد، ومع القارئ، ومع التحولات الثقافية التي فرضتها الرقمنة.
في هذا اللقاء، تتحدث فضيلة ناجوي عن بداياتها، ومرجعياتها، وتصورها للكتابة، وتكشف عن التوازن الصعب بين الحياة اليومية والإبداع، كما تطرح رؤيتها لواقع الأدب في الجزائر، خاصة في ظل هيمنة الرواية وتراجع القصة القصيرة.
هذا الحوار الذي أجراه الكاتب الجزائري سعدي صباح، لا يكتفي بتقديم كاتبة ناشئة، بل يفتح نافذة على ملامح جيل جديد من المبدعين الذين يحاولون إعادة تشكيل علاقتهم مع السرد، ومع القارئ، ومع التحولات الثقافية التي فرضتها الرقمنة.
في هذا اللقاء، تتحدث فضيلة ناجوي عن بداياتها، ومرجعياتها، وتصورها للكتابة، وتكشف عن التوازن الصعب بين الحياة اليومية والإبداع، كما تطرح رؤيتها لواقع الأدب في الجزائر، خاصة في ظل هيمنة الرواية وتراجع القصة القصيرة.
نص الحوار الكامل
س1: كيف تقدم الساردة فضيلة نفسها للقراء؟ وكيف كانت بداياتك الأولى في السرد؟
ج1: فضيلة ناجوي، قاصة وروائية ناشئة من مدينة الجلفة، حاصلة على شهادة الليسانس في اللغة العربية، وشهادة الماستر تخصص تحليل الخطاب. صدرت لي رواية بعنوان: "لم تولد"، ومجموعة قصصية بعنوان: "غياهب الجب".
كانت بداياتي الأولى في عالم السرد ممتزجة بالرسم؛ حيث كنت أرسم شخصيات من نسج الخيال، وأبتكر لكل منها حواراً وأحداثاً، فكنت أسرح بخيالي وأحلق بعيداً، بالإضافة إلى شغفي المبكر بقراءة قصص الأطفال والمطالعة المستمرة.
كانت بداياتي الأولى في عالم السرد ممتزجة بالرسم؛ حيث كنت أرسم شخصيات من نسج الخيال، وأبتكر لكل منها حواراً وأحداثاً، فكنت أسرح بخيالي وأحلق بعيداً، بالإضافة إلى شغفي المبكر بقراءة قصص الأطفال والمطالعة المستمرة.
س2: درستِ في "الكتاتيب" في طفولتك، فهل أسهمت في تمكينك من اللغة العربية أم كان للمدرسة النظامية الدور الأكبر في ذلك؟
ج2: في البداية، كنت أدرس في الكتاتيب بالتوازي مع المدرسة النظامية. ولا أنسى فضل الأستاذ لحرش جمال الدين (حفظه الله)، فقد كان من خيرة المعلمين ولم يدخر جهداً في تلقيننا فنون القراءة والمطالعة، مما أثرى زادنا اللغوي. كما لا يفوتني التأكيد على دور تحفيظ القرآن الكريم في طلاقة اللسان، والتحكم في آليات القص، واكتساب أسلوب "السهل الممتنع" الذي أمتاز به اليوم.
س3: أيهما أقرب إلى روحك الروائية: البادية أم المدينة؟ ولماذا تجدين نفسكِ أقرب إلى هذا الفضاء دون غيره؟
ج3: نشأتُ في المدينة، لكنني ترعرعتُ في البوادي والبراري خلال العطل السنوية؛ لذا كانت الطبيعة أحبَّ إليّ، لأنني أجد فيها سكوني وملاذي الروحي.
س4: الرسم فن والكتابة الإبداعية فن، بما في ذلك أدب الرسائل؛ في أي المساحات الأدبية تجدين نفسكِ أكثر، ولماذا؟
ج4: اخترتُ عالم السرد والكتابة لأنها بالنسبة لي المتنفس الأكبر، وهي موهبة ربانية قبل كل شيء، أجد فيها قدرة على التعبير تفوق أي وسيلة أخرى.
س5: لا شك أن "الجدة" و"الطبيعة" تركتا أثراً واضحاً في نصوصك؛ فماذا أضافت المدينة بمؤسساتها الثقافية وكتابها وشوارعها لتجربتك الإبداعية؟
ج5: تعتبر المدينة من أهم الانطلاقات الفعلية بالنسبة لي، خاصة بعد ممارستي للكتابة بشكل رسمي؛ حيث تسنى لي الاحتكاك بالوسط الأدبي من كتاب ونقاد وقراء في الفضاءات الثقافية، وهذا ما زادني تحفيزاً لمواصلة هذا المشوار الممتع في عالم القص والرواية.
س6: فيما يخص كتابة الشعر، هل تميلين إلى القصيدة العمودية الملتزمة بالبحور، أم تفضلين قصائد النثر؟
ج6: في الحقيقة، كانت لي تجربة "محتشمة" (متواضعة) في عالم الشعر، وكتبتُ بعض القصائد العمودية الخاضعة للقافية وبحور الخليل بن أحمد الفراهيدي.
س7: كثير من الكتاب يبدأون بالخاطرة؛ هل هي جنس أدبي قائم بذاته أم أنها لا تزال موضع جدل نقدي؟
ج7: بالرغم من أن الخاطرة هي اللبنة الأولى في فن الكتابة، إلا أنها لم تبرز كـ "لون أدبي" قائم بأركانه وآلياته المستقلة، لهذا أوافق الرأي بأنها لا تزال موضع جدل بين النقاد.
س8: أين تجدين نفسك أكثر: في القصة القصيرة أم الرواية؟ وأين تكمن الصعوبات في كليهما؟
ج8: أحب الكتابة في كلا الجنسين. لا أجد صعوبة فنية في صياغتهما، لكن الصعوبة تكمن في "عامل الوقت" بالنسبة للرواية، نظراً لالتزاماتي الكثيرة كزوجة وأم وموظفة.
س9: ماذا أضافت مدينة "الجلفة" لإبداعاتك، وهل كان للمكان دور في تطعيم نصوصك؟
ج9: لقد ساهمت المدينة في إخراجي إلى النور ككاتبة وروائية من خلال الملتقيات والندوات الولائية، وكذلك من خلال إتاحة الفرصة للمشاركة في المعرض الدولي للكتاب.
س10: هل شاركتِ في أمسيات أدبية أو لقاءات وطنية؟
ج10: نعم، شاركت في أمسيات أدبية بمدينتي، وتلقيت دعوات من ولايات مجاورة، لكن لم يتسنَّ لي الحضور في بعضها لأسباب شخصية.
س11: ما رأيك في "المقروئية" في ظل الرقمنة والكتاب المسموع؟ وهل هجر القراء الكتاب الورقي؟
ج11: ظاهرياً، قد يبدو أن الكتاب الورقي هُجر لصالح الوسائط الرقمية والمسموعة، لكنني أرى حالياً جيلاً يحب القراءة والمطالعة، لدرجة أنها أصبحت "ترند" بمفهوم منصات التواصل. وتجربتي في المعرض الدولي للكتاب أثبتت لي ذلك، حيث فاق الإقبال كل التوقعات، وهو أمر مبشر جداً.
س12: كيف ترين واقع القصة القصيرة في الجزائر مقارنة بالرواية؟
ج12: تراجعت كتابة القصة القصيرة في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ مقابل طغيان الرواية، وهذا يعود في الغالب إلى ذائقة القارئ وما يطلبه السوق الأدبي حالياً.
س13: في روايتك "لم تولد" ومجموعتك "غياهب الجب"، هل استلهمتِ الأحداث من الواقع أم الخيال؟ وهل نال الإصداران حقهما من القراءة؟
ج13: رواية "لم تولد" انطلقت من فكرة واقعية بنيتُ عليها سرداً خيالياً مفعماً بالإثارة والتشويق، فهي رواية "فلسفية روحية" تحلق بالقارئ نحو عالم المثل. أما "غياهب الجب" فقد طغى فيها الخيال بشكل أكبر. وبفضل الله، نال الإصداران حقهما من القراءة والتحليل وجلسات البيع بالتوقيع.
س14: كيف ترين الساحة الأدبية على المستوى الولائي والوطني من حيث النشاطات؟
ج14: في الحقيقة، وبالرغم مما تحتويه مدينة الجلفة من أدباء ومثقفين، إلا أن هذه النخبة لا تأخذ حقها الكافي من النشاطات الثقافية الكبرى، حيث تقتصر الفعاليات غالباً على بعض المنتديات والأمسيات المحدودة.
س15: كلمة أخيرة للقراء وللجيل الجديد من الكتاب.
ج15: الشغف هو وقود الكتابة، والمطالعة هي نورها وتجليها. وفي الأخير، الشكر موصول للأستاذ الكاتب الراقي سعدي صباح، أدام الله عليه نعمة الصحة، وجعله ذخراً للجزائر، فبأمثاله نفتخر ونعتز.
قراءة نقدية سريعة: ماذا يكشف هذا الحوار؟
هذا الحوار، رغم بساطته الظاهرية، يكشف ثلاث نقاط عميقة يجب أن تنتبه لها:
1. تشكّل الموهبة خارج المؤسسات
البداية لم تكن من الجامعة، بل من الخيال والرسم. هذه نقطة غالبًا ما يتم تجاهلها: الإبداع الحقيقي يبدأ قبل أي تأطير أكاديمي.
2. تأثير البيئة المركبة
المدينة + البادية = صوت سردي مزدوج. وهذا ما يعطي نصوصها قابلية للتنوع، لكنه أيضًا خطر إن لم يتم ضبطه أسلوبيًا.
3. أزمة القصة القصيرة
اعترافها بتراجع القصة القصيرة ليس مجرد رأي شخصي، بل انعكاس لتحول السوق الأدبي. لكن هنا يجب أن تُطرح عليك أنت كسائل حقيقي: هل تتبع السوق… أم تصنع ذائقة؟
خلاصة
هذا الحوار ليس مجرد تعريف بكاتبة، بل هو وثيقة صغيرة عن جيل كامل يعيش بين ضغط الحياة اليومية، وحلم الكتابة، وتحولات القراءة في العصر الرقمي.
والأهم: هو يطرح سؤالًا غير مباشر عليك ككاتب :
هل تكتب لأن لديك ما تقوله… أم لأن السوق يطلب ذلك؟
والأهم: هو يطرح سؤالًا غير مباشر عليك ككاتب :
هل تكتب لأن لديك ما تقوله… أم لأن السوق يطلب ذلك؟
إعداد مجلة النبراس الأدبية والثقافية — بإشراف محمد دويدي.