غلاف قصة قصيرة "شاهد عليل" – محمد أمرنيس
شاهد عليل
محمد أمرنيس
قلب مكدر، عقل مخدر، جسم متلبد التبست عليه الأجواء حتى تمازجت لديه الأمزجة واختلط عليه المضمون. "خذ فكرة واحدة وفكر فيها مليا". قال له.
أخذ يفكر بصوت مرتفع "فكرة... ماذا... فكرة... أي فكرة تقصد؟".
العرق يتهاطل من جسمه كأنه يسقي الحرث، والآخرون البعيدون هناك، يراقبون تصرفاته.
- إنهم يستجوبونه.
- هل ارتكب جرما ما؟
يجيب أحد الجالسين:
- وجدوا امرأة ميتة في الحمام.
تبدو عليهم أمارات الانبهار والتوجس دون قصد. يحاولون أن يشفوا فضولهم بأسئلة موجهة للجميع. يتهاطل الحديث، ويكثر القيل دون أن يعرف المتحدث من الصامت. كلهم يتمتمون بكلمات سمعوها، أو ربما اختلقوها في خضم اللحظة.
رجل أشعث الشعر، ذو ملابس مهترئة، ووجه أسمر قان، يحاول أن يشرح الحادث كما لو كان ممثلا بارعا، بالحركات والإيقاع.
- "لقد دخل ذلك الذي تستجوبه الشرطة إلى الحمام ووجد الهالكة مغمى عليها. وحسب ما سجل في محضر الشرطة، فقد شوهد شخص مشتبه فيه وهو يغادر المقهى بلثام على وجهه".
يصدقونه دون أن يتكبدوا عناء السؤال.
- هل رأيت محضر الشرطة؟ يسألونه.
يجيبهم:
- نعم، فأحدهم زميل قديم.
يعود التركيز مع الشاهد.
- فكرة واحدة، نريد فقط فكرة واحدة.
يختلط لديه الحابل بالنابل، ينظر في وجوه مستجوبيه: "من أنتم؟"
يسأل ثم يعود إلى تيهه دون أن يلقي بالا لسماع الجواب.
- نحن الشرطة. لقد وقعت هنا حادثة ألا تذكر؟
يحاول أن يتذكر أين هو، ولماذا ينظرون إليه جميعا!
- ماء، أريد ماء!
يتراكض الجالسون واحدا تلو الآخر لجلب الماء، والنادل واقف في مكانه منبسط الملامح.
- تستحق ما حدث لها. دائما ما كنت أنصحها بأن تبتعد عن السياسة ، لكنها لا تسمع؛ قال النادل.
- إنها حرة في اختيارها.
- لقد اختارت أن تدافع عن أمثالك يا رجل!
يحمل كأس الماء بيد مرتجفة، يقربه إلى فمه ببطء، انسكب النصف، والنصف الآخر قريب من الفم. يشرب قليلا، ثم يسقطه من يده.
- أيمكنك أن تعرف بنفسك؟ قال الشرطي.
ينظر في أعينه نظرة المغترب الذي نسي الوطن.
- لا أذكر شيئا. ساعدني أرجوك.
يحاول أن ينهض من مكانه. يجلسونه ويطلبون منه الهدوء.
- أنت في مأمن.
جميعهم يصيخون السمع.
- هل اعترف بشيء ما؟
- هل يفترض أن يكون الجاني؟
- ماذا لو كان القاتل بالفعل؟
أصبحوا جميعا يطرحون الأسئلة فقط.
يعود الشرطي إلى تأكيد السؤال: "ما اسمك؟ وهل تعرف الضحية؟"
عيناه شاخصتان في مكان واحد.
- هل تقربك؟
ينتظرون الجواب بأمل مشوب باليأس.
- هل تعرفها على الأقل؟
لا إجابة.
يصيح النادل: يمكنكم استجوابي، فأنا أعرفها جيدا.
- لا تتدخل؛ يقول الجالسون.
- دعك منها.
- أنت تكرهها بالفعل!
- أدل بأقوالك؛ يقول الشرطي.
- إنها فتاة ساذجة، كانت تعيش حياة عليلة، واختارت بيدها أن تجني على نفسها. لقد انضمت إلى حزب سياسي معارض للرئيس، وهذا هو جزاء المعارضين.
ينظر الشرطي إليه باعتزاز:
- السياسة لم تخلق للنساء !
يرددون من ورائه:
- بلى أيها الشرطي، إنهن جديرات بالسياسة.
يقول آخر:
- النساء والسياسة خطان لا يلتقيان.
- تغلب عليهن العاطفة.
شكر الشرطي النادل، ثم عاد لاستجواب الشاهد.
- هلا تكلمت؟
يعود إلى سيرته الأولى:
- من أنا؟ من أنتم؟ ماذا أفعل هنا؟ من هؤلاء جميعا؟
يشحب وجهه باستمرار.
- أصيب بصدمة.
- إنه مفعول الدم.
يقول الشرطي:
- ما دامت معارضة للرئيس فلا بأس أن نسلم جثتها إلى عائلتها. من قتلها خلص الناس من الفتنة.
يصيحون فيه ويشتمونه:
- قم بعملك.
- عار عليك، أنت في خدمة المواطنين، لا دخل لك في السياسة.
يستيقظ الشاهد بعد أن رشه أحد الحاضرين بالماء.
- من أنا؟
- يبدو أنك تضيع وقتنا فقط؛ يقول الشرطي. فلتأتوا معي جميعا، سننهي الأمر في المخفر.
ويسقط الشاهد مرة أخرى.
📖 قصة "شاهد عليل" – محمد أمرنيس
إعداد مجلة النبراس | للأدب والثقافة والفكر — بإشراف محمد دويدي.