القائمة الرئيسية

الصفحات

لماذا لم تعد القصائد تُقرأ كما كُتبت؟ | تفكيك انهيار الذائقة الشعرية العربية

لماذا لم تعد القصائد تُقرأ كما كُتبت؟ تفكيك انهيار الذائقة الشعرية العربية

قارئ يتأمل ديوان شعر في زمن السرعة الرقمية
لم يعد القارئ يدخل القصيدة كما كان يفعل سابقًا؛ لم تعد القصيدة فضاءً للإقامة، بل محطة عابرة في زمن السرعة.
ليس صحيحًا أن الشعر مات. وليس دقيقًا أن القارئ العربي هجر القصيدة لأن ذائقته انحطّت، كما يردّد الخطاب الثقافي الكسول كلما عجز عن الفهم. الحقيقة أبسط… وأقسى. الشعر ما زال يُكتب، ويُنشر، ويُتداول، ويُقتبس، ويُشارك على نطاق واسع، لكن لم يعد يُقرأ بالطريقة التي كُتب من أجلها. لم يعد القارئ يدخل القصيدة بوصفها تجربة زمنية كاملة، بل يمرّ عليها كما يمرّ على منشور عابر. وهنا، بالضبط، تبدأ المأساة. هذا المقال لا يرثي الشعر، ولا يجلد القارئ، ولا يقدّس الماضي. ولا يقدّم نفسه بوصفه بيانًا أخلاقيًا. بل يحاول تفكيك لحظة الانكسار الكبرى في علاقة القارئ العربي بالقصيدة، وهي لحظة ناقشتها مجلة النبراس في أكثر من سياق، من بينها مقال لماذا نعود إلى الشعر العربي؟ الذي يطرح السؤال نفسه من زاوية ثقافية أشمل. متى انكسرت العلاقة بين القصيدة وقارئها؟ وهل الانكسار في النص… أم في الذائقة… أم في الوسيط؟ ---

الشعر لم يمت… الذي مات هو السياق

لكي نفهم ما يحدث اليوم، لا بد أن نعود خطوة إلى الوراء. ليس إلى شاعر بعينه، ولا إلى مدرسة أدبية، بل إلى سياق التلقي. الشعر العربي لم يُكتب ليُقرأ صامتًا. كان يُنشَد، ويُتداول، ويُعاد إنتاجه في الفضاء الاجتماعي. ولهذا فإن قراءة نص كلاسيكي تحليلي مثل قصيدة «فراق وشوق» لمحمود سامي البارودي تُظهر بوضوح كيف كان الشعر حدثًا زمنيًا لا مادة جامدة، وكيف كان التلقي يتطلب الانتباه والاستماع، وليس مجرد المرور على النص بسرعة. مع انتقال القصيدة إلى الصفحة المدرسية ثم الشاشة الرقمية، تغيّر القارئ، وبقي النص يطالب بما لم يعد متاحًا: الانتباه الطويل، والقراءة المتأنية، والاستعداد للدخول في عالم لغوي مكتفٍ بذاته. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين التلقي الكلاسيكي والتلقي الرقمي، وهو الفرق الذي لم يستطع معظم النصوص الشعرية الحديثة تجاوزه بعد. ---

من القارئ المتفرّغ إلى القارئ المستعجل

القارئ الذي كانت تُكتب له قصائد مثل قصيدة «المساء» لخليل مطران لم يعد موجودًا بالشكل نفسه. اليوم، القارئ يعيش داخل اقتصاد الانتباه، ويقرأ وهو ينتظر المكافأة السريعة. وحين لا يحصل عليها، لا يخاصم الشعر، بل يغادره بهدوء. هذه التحولات لم تؤثر فقط على القارئ، بل على الشعر نفسه؛ إذ أصبح يُكتب أحيانًا **للقراءة السريعة** أو **للاقتباس**، بدل أن يُكتب لتجربة مستمرة ومتصاعدة. ---

القصيدة التي تحتاج شرحًا… هل فشلت؟

ليس الغموض عيبًا في الشعر، لكن حين تتحوّل القصيدة إلى لغز لا يُفتح إلا بمفاتيح نقدية، تفقد قدرتها على إقامة علاقة مباشرة مع القارئ. نرى هذا التوتر بوضوح في قصائد كبرى تُقرأ اليوم غالبًا عبر الشرح، مثل قصيدة «لا تصالح» لأمل دنقل، حيث يُختزل النص أحيانًا في خطابه السياسي، وتُهمَل تجربته الشعورية. هذا لا يعني أن القصيدة فقدت قيمتها، بل أن **وسيط العرض** والطريقة التي نُقدّم بها الشعر هما اللذان أضعفا التجربة. ---

من التجربة إلى الامتحان: كيف أُسيء تقديم الشعر؟

كثيرون لم يكرهوا الشعر لأنه صعب، بل لأنهم تعرّفوا عليه عبر الخوف: الخوف من الخطأ، ومن “الفهم الخاطئ”. في المقابل، حين يُقدَّم النص بوصفه تجربة إنسانية كما في قصيدة «إرادة الحياة» لأبي القاسم الشابي، يستعيد الشعر قدرته على لمس القارئ دون وساطة قسرية. يمكن للقارئ أن يتعلم **لغة الشعر** عبر التجربة، لا عبر الإملاءات الأكاديمية، ويصبح مشاركًا في بناء المعنى بدل أن يكون متلقًّا سلبيًا. ---

لماذا نحب اقتباس بيت… ونملّ من قصيدة كاملة؟

اقتباس شعري معزول على وسائل التواصل الاجتماعي
بيت واحد ينجو، والقصيدة كلها تُترك خلفه؛ هكذا تغيّرت علاقة القارئ بالنص.
ثقافة الاقتباس لا تعني حب الشعر، بل تعني استهلاكه مجزّأ. القصيدة ليست مجموعة جُمل جميلة، بل كيان تراكمي، كما يظهر جليًا في نصوص مثل قصيدة «الأرض» لمحمود درويش التي تفقد الكثير من قوتها حين تُختزل في بيت واحد. وهنا يبرز التحدي: **كيف نجعل النصوص الكبرى قابلة للقراءة كاملة في زمن السرعة؟** ---

هل أسهم النقّاد في قتل الشعر دون قصد؟

حين يتحوّل النقد إلى لغة مغلقة، يفقد دوره الوسيط. بدل أن يكون جسرًا، يصبح حاجزًا، ويُقصي القارئ الذي لا يريد أن يشعر بالدونية أثناء القراءة. هذا لا يعني أن النقد بلا قيمة، بل أنه بحاجة إلى **تأقلم مع الذائقة الحديثة** وإيجاد جسور بين النص والقراء بدل فرض شيفرات صعبة. ---

الشعر في زمن السرعة: صراع غير متكافئ

القصيدة تطلب بطئًا. العالم يفرض سرعة. في هذا التوتر، لا يخسر الشعر لأنه ضعيف، بل لأنه لا يساوم على جوهره. العالم الرقمي يربك الإيقاعات الشعرية، ويختصر التجارب الإنسانية في ثوانٍ، بينما الشعر يحتاج إلى زمن يمتد، وإلى مشاركة عاطفية ذهنية مستمرة. ---

كيف يمكن إنقاذ القصيدة اليوم؟

1. إعادة الشعر إلى التجربة لا الشرح

القصيدة يجب أن تُقدَّم بوصفها تجربة شعورية، لحظة تأمل، سؤال إنساني، لا كنص للتحليل الإجباري أو الامتحان.

2. تغيير وسيط العرض دون خيانة النص

الشعر لا يُنقذ بإعادة نشره فقط، بل عبر سرد بصري وصوتي وربطه بسياق معاصر، مع الحفاظ على البناء الداخلي للنص.

3. إشراك القارئ بدل تلقينه

القارئ يجب أن يشعر أنه شريك في بناء المعنى، كما في قصص شعراء العرب وحكاياتهم، حيث يعيد الاطلاع على حياة الشعراء وبُعدهم الإنساني تجربة النص إلى الحياة. ---

الخلاصة: المشكلة لم تكن يومًا في الشعر

الشعر العربي ما زال قادرًا على لمس أعمق مناطق الإنسان. لكننا قدّمناه في صندوق خاطئ، بلغة إقصائية، وفي زمن لا ينتظر أحدًا. القصيدة لم تخن قارئها. نحن من تركناها وحيدة. وإن كان للشعر أن يستعيد مكانته، فلن يكون ذلك بالعودة إلى الماضي، بل بفهم الحاضر، وإعادة فتح باب التجربة من جديد. 
الشعر العربي, قراءة الشعر, تحليل قصائد, أمل دنقل, محمود درويش, خليل مطران, أبو القاسم الشابي, تجربة القارئ, النبراس الأدبية

 إعداد مجلة النبراس الأدبية والثقافية — بإشراف محمد دويدي.

تعليقات

التنقل السريع